المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لماذا يبتلي الله العباد ؟ ماهي الحكمة من الابتلاء..؟؟


فلاح السعدي
01-21-2011, 08:33 PM
لماذا يبتلي الله العباد ؟ ماهي الحكمة من الابتلاء..؟؟ (http://sunalsadr.com/vb/showthread.php?t=511)
القسم الأول:


ما هي الحكمة من الابتلاء ؟ أي لماذا يبتلي الله (جل وعلا) العباد؟ وما هي الفائدة من حصول البلاء ؟

1- توطين النفس على المصائب:


التوطين يعني (التّمهيد) ، وفي توطين النفس على المشقة والبلاء في الخير والشر فائدة عظيمة لثبوت الإنسان على الدين حيث إن الإيمان ليس كلمة تقال بل لابد من الابتلاء والامتحان بأنواع من اليسر والعسر، فمن صبر عند هذه ولم يهتز ولم يجزع وشكر ورَضِي وسلّم فهو مؤمن حقيقي، وإلا فما هو من الإيمان بشيء .
لذا فكانت حكمة الباري (جل وعلا) أن يجعل للإنسان وخصوصاً المؤمن وسيلة توصله إلى توطين النفس على المصائب والمحن فجعل الابتلاء خير وسيلة فهو أعلم بما خلق وسوّى فهو الحكيم القدير.
وبالتمهيد تصل النفس الإنسانية إلى درجة من الإصلاح فلا تهتز أمام صدمات القـدر، فتكون النتيجة الفـوز والفلاح، كما حصل عليه السابقون من أصحاب المصطفى وأهل بيته (صلوات الله عليهم أجمعين) من أمثال: أبي ذر الغفاري، وعمار بن ياسر، وسلمان الفارسي ... وغيرهم (رضوان الله عليهم).
هؤلاء وطنوا أنفسهم على الأذى في جنب الله تعالى ، فنالوا أرفع الدرجات، وإنما نذكر هؤلاء الأصحاب، لأنهم ليسوا معصومين، فيكون ذكرهم حجة بالغة على الناس، وهذا لابد من بيان لطفه جل وعلا من أنه أخبر الناس بجريان سنة البلاء في المؤمنين وبين أن ذلك البلاء مستمر وسيتكرر، قال تعالى {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ}([1] (http://al-m-n.com/vb/newthread.php?do=newthread&f=17#_ftn1)).
أعلمهم الله (عز وجل) بالبلاء قبل وقوعه رحمةً ولطفاً منه كي يوطنوا ويمهدوا أنفسهم ويستعدوا لمواجهة الامتحان فتستعد نفوسهم بالصبر والرضا والعزيمة والدعاء ، ولكي لا يأسوا على ما فاتهم من ملذات الدنيا ، فيكون ذلك أثراً في إصلاح النفس ودرجة من درجات التكامل حيث يمكن أن يعد وجود من يهتم بإصلاح النفس ويطلب وجه الله عز وجل والآخرة، في دار الغرور ... ابتلاءً وهذا ما سنبينه في الحكمة الثانية.

2 ـ تهذيب الأنفس والتأدب بمقاومة الحالات :

(التهذيب) التنقية، ورجل (مهذب) أي مطهر الأخلاق، فكانت حكمة الباري (جل وعلا) في الإنسان المؤمن خصوصاً هي تطهيره من الرذيلة وتنقية نفسه من السوء، فكانت وسيلة الامتحان والاختبار خير وسيلة أعدها (سبحانه وتعالى) لهذا المخلوق، فكان من ذلك أن يقف الإنسان المؤمن وقوف تأدب وتسليم ورضا أمام كل شدة تعترض مسيرته في هذه الدنيا، من غير أن تتغلب المشاعر عنده على العقل فيندفع من حيث لا يدري إلى حالة الجزع والاعتراض، فتهذيب الأنفس يحصل بالتعويد والترويض كما يوصينا أمير المؤمنين عليه السلام :
(القِ عنك واردات الهموم بعزائم الصبر، عود نفسك الصبر فنعم الخلق الصبر، واحملها على ما أصابك من أهوال الدنيا وهمومها).
فالصبر على البلاء والرضا بما يجري من القضاء والتسليم لأمر الله (جلّ وعلا) كل هذا من التهذيب والتأدب الذي لا بد للمؤمن أن يتدرع به أمام محن البلاء وشدة الابتلاء، وما أحسن ما أنشد بعض الأفاضل شعراً :


عطيّته إذا أعطى ســرورا وإن سلب الذي أعطــى أثابـا
فأي النعمتين أعـــدّ فضلاً و ا حمــد عنـد عقابهـا إيابـا
أنعمته التي كانت ســروراً أم إلى الأخرى التي جلبت ثوابا؟


فهكذا يجب أن تتأدب النفوس أمام البلاء وأن تحمد المنعم والمثيب وهو (الله).

3 ـ التمييز بين الصابر وغيره :

الصبر: حبس النفس عن الجزع، وهو درجة من درجات السالكين ومنزلة من منازل المخلصين والمحبين، وفي هذا الجانب الأساسي للإيمان (الصبر) الذي هو بمنزلة الرأس من الجسد كما ورد في الأحاديث الشريفة، فكان من درجة التكامل الإنساني لذا كان من مصلحة العبـاد أن يجعـل الله (عز وجل) لهم سبباً في بلوغ هذه الدرجة ـ درجة الصابرين ـ فكان (الابتلاء) سبباً يصل به الإنسان إلى هذه الدرجة .
ولنا في القرآن الكريم شواهد يمكن من خلالها أن نصل إلى المراد، قال تعالى:
{وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ}([2] (http://al-m-n.com/vb/newthread.php?do=newthread&f=17#_ftn2)).
ففي هذه الآية يبين الله (عز وجل) الابتلاء الشديد الذي وقع على النبي’ ومن معه من المؤمنين، وكيف واجهوه؛ لذا يقول ـ فيه ـ أحد المفسرين : إن شدة البلاء قد وصلت في هذه المعركة إلى درجة أن أحدهم كان لا يستطيع أن يتخلى.
ثمّ هكذا كانت شدة البلاء عليهم فلم يجزعوا بل صبروا صبر الأحرار وازدادوا تمسكاً بدينهم وإخلاصاً لربهم ونبيهم، وهكذا كان أصحاب الحسين× في واقعة كربلاء صبروا جميعاً حتى استشهدوا فنالوا منزلة عظيمة؛ لصبرهم أمام محنة البلاء، فقد رفعهم الله جل وعلا وخلدهم التأريخ.
قوة الصبر دليل على قوة الإيمان وكيف لا ؟!
وقد روي عن المصطفى’ أنه قال: (الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد...) ، فبالصبر يرقى قوم وبالجزع يخسر آخرون, وهذا ما بينه الإمام الصابر في ذات الله أمير المؤمنين× بقوله: >من لم ينجه الصبر أهلكه الجزع< ، وكذلك رُويّ وفي التهذيب عن أبي عبد الله× أنه قال:
>إن من صبر صبراً قليلاً، وان من جزع جزعاً قليلاً ،عليك بالصبر في جميع أمورك فان الله عز وجل بعث محمد’ فأمره بالصبر والرفق فقال : {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً * وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً}([3] (http://al-m-n.com/vb/newthread.php?do=newthread&f=17#_ftn3)).
وقال جل وعلا {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}([4] (http://al-m-n.com/vb/newthread.php?do=newthread&f=17#_ftn4)).
فصبر النبي’ حتى نالوه بالعظائم ورموه بها فضاق صدره ، فأنزل الله عليه : {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ}([5] (http://al-m-n.com/vb/newthread.php?do=newthread&f=17#_ftn5)), ثم كذبوه ورموه فحزن لذلك فأنزل الله : {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ * وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا}([6] (http://al-m-n.com/vb/newthread.php?do=newthread&f=17#_ftn6)) فألزم النبي’ نفسهالصبر, فتعدوا وذكروا الله جل وعلا فكذبوه فقال :
>قد صبرت في نفسي وأهلي وعرضي ولا صبر لي على ذكر إلهي فأنزل الله عز وجل : {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ}([7] (http://al-m-n.com/vb/newthread.php?do=newthread&f=17#_ftn7))فصبر في جميع أحواله ثم بشّر في عترته^ فقال (جل ثناؤه) فيهم : {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ}([8] (http://al-m-n.com/vb/newthread.php?do=newthread&f=17#_ftn8)) فعند ذلك قال النبي’: >الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد< فشكر الله ذلك فأنزل الله: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ}([9] (http://al-m-n.com/vb/newthread.php?do=newthread&f=17#_ftn9))، فقال: إنها بشرى وانتقام، فأباح الله له قتال المشركين فأنزل الله عليه: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ}([10] (http://al-m-n.com/vb/newthread.php?do=newthread&f=17#_ftn10)) {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ}([11] (http://al-m-n.com/vb/newthread.php?do=newthread&f=17#_ftn11)).
فقتلهم الله على يد رسول الله’ وأحبائه وجعل له ثواب صبره مع ما ادّخره له في الآخرة.
فمن صبر واحتسب لم يخرج من الدنيا حتى يقر الله عينه في أعداءه مضافاً إلى ما يُدّخر له في الآخرة.



([1]) العنكبوت:2.


([2]) آل عمران: 146.


([3]) المزمل: 10 ـ 11 .


([4]) فصلت: 34 ـ 35 .


([5]) الحجر:97-98.


([6]) الأنعام:33-34.


([7]) المزمل:10.


([8]) السجدة:24.


([9]) الأعراف: 137.


([10]) التوبة: 5.


([11]) البقرة: 191.

فلاح السعدي
01-21-2011, 08:36 PM
4- قوة البصيرة وتمام السريرة :-
قوة البصيرة أي شدة الحجة والعقل حجة فيكون المعنى شدة أو قوة العقل وتمام المكتوم أي اكتمال المكتوم ، فكلما كان الفرد يمتلك قوة البصيرة كلما كان تحركه بحكمة وتدبر ، وتمام السريرة من السر وهو الإضمار الباطني فلا يعلم هذا الإضمار الباطني الذي يخفى عن الناس إلا الله جل وعلا فهو يعلم ما تخفي الصدور ، فالإنسان الذي يعيش لله لابد له من أن يتفاعل مع المصيبة والمحنة التي يبتلي بها بدرجة واحدة وبنحو واحد ، حيث إن تفاوت درجة التفاعل لابد أن تعالج من ذات الفرد ، لكي يعيش لله عز وجل وحتى يحرز درجة الصديقين .
فقضت الحكمة الإلهية في كشف الضمائم أن تكون بوسيلة الله في اختبار العباد ألا وهي الإبتلاء حيث قال جل وعلا ((وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ)) (العنكبوت:3) .
حيث انه جل وعلا يمتحن عباده بإقبال الدنيا وإدبارها ليظهر أفعاله التي يستحق عليها الثواب والعقاب ، لأنه جلت حكمته لا يحاسب الإنسان على ما فيه من قابلية واستعداد للخير والشر ، وإنما يحاسبه على أعماله التي تظهر للعيان ، ففي الضيق والبلاء تظهر حقيقة الإنسان فيُعرف عندئذ الصادق من الكاذب والعياذ بالله ، ولنا في قوة البصيرة ما قيل عن فتح الموصلي حين اشتد به المرض ، وأصابه مع مرضه الفقر والجهد فقال : الهي وسيدي ابتليتني بالمرض والفقر فهذا فعالك بالأنبياء والمرسلين فكيف لي أن أؤدي شكر ما أنعمت به عليَّ؟
5- تعـلـم اللاحـقين من السابقين كيفية مجاهدتهم واستقامتهم بالدين :-
قال الله جل وعلا ((أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ)) (البقرة:214)
كلام يشد القلوب بإثارة وعِظة ، وأجلى بيان لشرح سُنة الله تعالى الجارية في الأمم من انه لا يمكن الحصول على المقصود ولا الظفر بالمطلوب إلا بعد بذل غاية الجُهد ، ولا يتحقق الانتصار إلا بعد الصبر والاصطبار ومُقاسات الهموم والشدائد .
والخطاب لمن هداه الله تعالى إلى الإيمان وأمرهم بالاعتبار من أحوال الماضين الذين بدّلوا ما انعم الله عليهم كفراً فحل عليهم غضب من ربهم0
(والمعنى) يا أيها المؤمنون كيف تتوهمون وتطمعون أن تدخلوا الجنة ولما يجر عليكم ما جرى على الصالحين من قبلكم في شؤون دينهم ودنياهم .
فأنكم تبتلون وتمتحنون بمثل ما جرى على الغابرين فان الطريق المسلوك واحد فكل ما جرى على السابقين من البلاء والإمتحان من الباري جل وعلا يجري على اللاحقين لوحدة المبدأ والغاية والسلوك0
وذكر الواحدي في أسباب النزول انه نزلت في غزوة الخندق حين أصاب المسلمون ما أصابهم من الجهد والشدة والحر والبرد(والخوف) وسوء العيش وأنواع الأذى فكان بلاءاً عظيماً ، كان كما قال الله تعالى ((وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ))(الأحزاب: 10) وحكم الآية ليس في هذا الموقع فقط ولكنه عام إلى قيام الساعة، قال تعالى ((سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً)) (الأحزاب:62) فالإبتلاء سنة لا يستثنى منها لا قوم ولا أمة فلا بد لكل أمةٍ أن تمر بطريق الامتحان, ولابد للإنسان أن يعتبر ويتعلم من السابقين كيفية مواجهتهم ومجاهدتهم واستقامتهم في الدين، ففي الآية الكريمة إرشاد للمؤمنين إلى أن يكونوا مثلهم في الصبر وتحمل الأذى والفزع إليه جل وعلا وعليه الإتكال0
وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال (يؤتى بالمرأة الحسناء يوم القيامة التي قد افتتنت في حسنها فتقول يا رب حسنت وجهي حتى لقيت ما لقيت ؟ فيُجاء بمريم عليها السلام فيقال آنت أحسن أو هذه ؟ قد حسناها فلم تفتتن ، ويُجاء بالرجل الحسن الذي قد افتتن في حسنه فيقول يا رب قد حسنت خلقي حتى لقيت من النساء ما لقيت ؟ فيُجاء بيوسف صلى الله عليه فيقال أنت أحسن أو هذا قد حسناه فلم يفتتن ؟ ويُجاء بصاحب البلاء الذي قد أصابته الفتنة في بلائه فيقول : يا رب شددت عليّ البلاء حتى افتتنت ؟ فيؤتى بأيوب صلى الله عليه فيقال أبليتك اشد أم بلية هذا فقد ابتلي ولم يفتتن ) هكذا يحاجج الله عز وجل اللاحقين بالسابقين وهكذا يتعلم اللاحقون من السابقين والعبرة لمن اعتبر .
6- بلوغ الدرجات الرفيعة :-
كل إنسان يعيش على هذه الكرة يرغب في نيل الدرجات الرفيعة في الدنيا والآخرة هذا من جهة المخلوق ، أما من جهة الخالق جل وعلا فأنه يكافئ العبد المخلص المحب له على هذا التمسك مكافئة من خالق كريم فيرزقه الدرجة الرفيعة لما صبر ورضى فكانت حكمته جل وعلا أن يكون الابتلاء والامتحان خير سبب لإبلاغ هذا المؤمن إلى الدرجة الرفيعة ، فليس وقوع البلاء فقط عند اقترف الذنوب أو للتذكير أو لأي سبب ولكن قد يبتلي الله سبحانه وتعالى وخصوصاً من ارتضاهم ممن قد تجاوز مرحلة الذنوب والتذكير من الناس ، فقد ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في مضمون قوله لسيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) (إن لك منزلة عند الله لن تبلغها إلا بالشهادة) ولكن أي شهادة هي شهادة البلاء الذي مر به في واقعة الطف وشدة الاختبار فيها، إن هذه المنزلة التي رفع الله بها الإمام الحسين (عليه السلام) إنما جاءت بعد رضا الله جل وعلا عنه (عليه السلام) فهو الصابر في المحن والبلاء والمحامي عن حرم الله فرفعه عز وجل سيداً لشباب أهل الجنة أجمعين، فعن أبي عبد الله (عليه السلام ) أنه قال :-
(إن عظيم الأجر لمع عظيم البلاء ، وما احب الله قوماً إلا ابتلاهم )
فبالصبر والرضا يعتلي المؤمن ويخرج من الاختبار والامتحان حائزاً على ارفع الدرجات وهذا ما أشار إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) شهيد محراب الكوفة حينما غدره ابن ملجم اللعين بضربه بالسيف، قال (عليه السلام) بصوته الكريم (فــزت ورب الكعبــة) أي فزت بالدرجة الرفيعة بعد الابتلاء العظيم والنصر فيه، فأن الدنيا قد أعدت لبلاء النبلاء لأنهم هم أحباء الله وأحبابه ولابد لهم أن يُرفعوا درجات ودرجات ، فهنيئاً لرسولنا وأهل بيته الميامين الأطهار (صلوات الله عليهم أجمعين) لبلوغهم ارفع الدرجات في الدنيا والآخرة بما صبروا وجاهدوا فنعم عقبى الدار لهم وهنيئاً لمن سلك طريقهم من التابعين لهم كأبي ذر الغفاري وعمار ابن ياسر وميثم التمّار وسعيد بن الجبير وغيرهم أعزهم الله عز وجل ورفعهم في الدنيا والآخرة إلى يومنا هذا واللاحقين بهم من العلماء العارفين والمخلصين العاملين من اجل رفعة الإسلام وإعلاء كلمة الله وضرب إسرائيل وبلائها وفتنتها ، أمثال السيدين الصدرين الشهيدين (رضوان الله عليهما) بتجليهما في عظيم البلاء وقوة الصمود على طريق الرسالة المحمدية وولاية أهل البيت (صلوات الله عليهم أجمعين) هنيئاً بما قال الله سبحانه((وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً)) (مريم:57) ، هكذا ترتقي النفوس العظيمة بعد انتصارها وتجاوزها المحن والبلاء العظيم .
7- الإرادة الإلهية في تنقية العبد المؤمن من الذنوب في الدنيا :-
إن هذه الحكمة الإلهية والإرادة الربانية في ابتلاء العبد المؤمن ، هي من اللطف الإلهي الكبير الذي منّ الله به على المؤمنين ، فمن ذا الذي لا يتمنى أن يقف بين يدي الله عز وجل وهو نقي من الذنوب ليس عليه تبعة, ومن لا يتمنى حسن العاقبة, فكان من عظمة لطفه سبحانه أن يجعل للمؤمن ما ينقيه من الذنوب في الدنيا ، فكان البلاء سبباً منه عز وجل في تنقية العبد المؤمن من الذنوب في الدنيا :- فعن أبي عبد الله (عليه السلام) (إن العبد إذا كثرت ذنوبه ولم يكن عنده ما يكفّر به ، ابتلاه الله بالحزن ليكفّر عنه ذنوبه ، فان فعل به ، وإلا عذبه في قبره ، ليلقاه عز وجل وليس عليه شيء يشهد عليه) .
وعن رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) انه قال :-(ساعات الوجع يذهبن ساعات الخطايا), ولذا لابد للإنسان المؤمن أن يعي هذا اللطف العظيم الذي لا يزيده إلا صفاءاً ونقاءاً ، وان يحمد الله ويثني عليه في بلائه الذي يصيبه في الدنيا لما فيه من عظيم الحكمة واقتضاء المصلحة الربانية لشخص الإنسان المؤمن ويحمد الله الذي لا يحمد على مكروه وبلاء غيره ، ففي كتاب الكافي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال (مر نبي من أنبياء بني إسرائيل برجل بعضه تحت حائط وبعضه خارج قد نقبته الطير ومزقته الكلاب ، ثم مضى فرفعت له مدينة فدخلها ، فإذا هو بعظيم من عظمائها على سرير مسجى بالديباج حوله المجامر فقال : يا رب أشهدُ أنك حَكَمٌ عدل لا تجور ، وعبدك لم يشرك بك طرفة عين ، أمتّهُ بتلك الميتة ، وهذا عبدك لم يؤمن بك طرفة عين أمتّه بهذه الميتة؟ قال الله عز وجل : أنا كما قلت حكم عدل لا أجور ، ذلك عبدي كانت له عندي سيئة وذنب ، أمته بتلك لكي يلقاني ولم يبق عليه شيء وهذا عبدي كانت له عندي حسنة فأمته بهذه الميتة لكي يلقاني وليس عنده شيء).

وفي العلل :-

( إن العلة التي من اجلها تُعجّل العقوبة للمؤمن في الدنيا) عن أبي عبد الله (عليه السلام) انه قال :-

(إذا أراد الله تعالى بعبد خيراً فأذنب ذنباً تبعه بنقمة ويذكره الاستغفار ، وإذا أراد الله تعالى بعبد شراً فأذنب ذنباً تبعه بنعمة لينسيه الاستغفار ، ويتمادى به وهو قول الله تعالى ((سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ)) بالنعم عند المعاصي). وعن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال :-

(قال الله تعالى وعزتي لا أخرج عبداً من الدنيا أريد رحمته إلا استوفيت كل سيئة هي له - أما بالضيق في رزقه أو بلاء في جسده وأما خوف أدخلته عليه فان بقي شيء شددت عليه الموت) ،اللهم طهرنا من الذنوب في الدنيا يا لطيف يا رحيم .

راحيل
03-17-2011, 04:47 PM
اللهم طهرنا من الذنوب في الدنيا
يا لطيف يا رحيم .
موضوع مهم ويجب قرائته بين فتره واخرى
شكرا جزيلا على طرح هذه النصائح
وننتظر المزيد